الحكيم الترمذي

89

كيفية السلوك إلى رب العالمين

القلب إذا كان صاحبها في غفلة عن اللّه عزّ وجل ، فوضع في الآدميين من تلك الزينة والأفراح التي حفت النار بها ، وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حفّت النار بالشهوات » « 1 » . فوجدنا أجسادنا موضوعة بين حبين وفرحين ، فرح باللّه وحب له ، وفرح بالنفس وحب لها ، ومعدن هذا الفرح باللّه والحب له في القلب ، ومعدن الفرح بالنفس وشهواتها والفرح بها في الجوف ، وكلاهما والفرح به ، إلا أن الفرح باللّه والحب له أصله من اللّه باب الدار ؛ لينظر أيهما يستعمل العبد ، ويميل إليه ، إلى الحب إليه والفرح به ، فيعمل لدار السلام بطاعة اللّه في أمره ونهيه وقطع علائقه ، أو يميل إلى الفرح الذي بباب النار من الأفراح والزينة ، فيعمل لنفسه حتى يغلب ذلك على قلبه ، فيتعدّى الحدود ، ويضيّع الفرائض ، ويعمل بالهوى . فهاهنا وقعت المجاهدة يعني : النفس والقلب ، فالقلب مائل إلى أفراح القلب والحب ، والنفس مائلة إلى أفراح الشهوات والحب لها . فالعمل والعلم والمعرفة والفهم والكياسة والذهن والقلب والهوى والشهوات والأفراح والزينة جنود النفس ، فمن ترك المجاهدة ذهبت النفس بالقلب وأسرته ، فلا له أمر ولا نهي ، وصار جوفه بلدة من بلاد العدو ، ومن جاهد بقلبه حتى أسر النفس ، صار الأمر والنهي للقلب ، وبرزت جنوده ، وظهر سلطانه ، وصفت إمرته ، فإذا بلغ هذا المبلغ فهو من الذين نفيت عنه العلائق والأدناس ، وقد خرج من الأوساخ والأدران ؛ وهي المعاصي ، وقد كان قبل ذلك خرج من الأوساخ والأرجاس والأنجاس ، وهي الشرك والكفر ، فبقيت الأدناس ، فإذا قطع العلائق ذهبت الأدناس ، وبقيت الغيوم الحاجبة له عن اللّه ، فهو الآن يسارق اللّه بقلبه ، فتلك الغيوم من البارقة ، والآدمي من قبل أن يؤمن باللّه بعيد من اللّه ؛ لأنه مع هذه الأشياء ، فإذا أمن وتبّرى خرج من الأرجاس والأنجاس ، ثم من بعد ذلك إذا انتهى عن المعاصي ، خرج من الأوساخ والأدران ، ثم إذا قطع العلائق خرج من الأدناس ، وبقيت الغيوم . قال له قائل : وما تلك الغيوم التي ذكرت أنها محجبة عن اللّه ؟ قال : الالتفات إلى النفس في عطية اللّه عزّ وجل إيّاه ، والمشيئات التي تلاحظ بها مشيئة عقله ، ونفاذ أمره .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . ، حديث رقم ( 2822 ) [ 4 / 2174 ] والترمذي في سننه ، باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره . . ، حديث رقم ( 2559 ) [ 4 / 693 ] ورواه غير هما .